أحمد بن علي القلقشندي
9
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فقد سكنت الرعيّة في عدله ، وأوت حرما منيعا من ظلَّه ، ووثقت أنّ الحق بنظره شامخ شاهق ، والباطل سائخ زاهق ، والإنصاف مبسوط منشور ، والإجحاف محطوط مبتور ، والشّمل منظوم ، والشّرّ مضموم . فنطقت ألسنتها بإحماده ، واشتملت أفئدتها على وداده ، واتفقت أهواؤها على رياسته ، وتطابقت آراؤها المسابقة على دوام سيادته ، وعرف أمير المؤمنين عدق النظر في دولته ، وسلَّم أمور مملكته إلى النّصيح المأمون ، والنّجيح الميمون ، الذي وفّقه اللَّه تعالى لاختياره ، ويسّره لاصطفائه وإيثاره ، وأنّه قد ناط أموره بمن لم يستخفّ ثقيل حملها ، وينوء بباهظ ثقلها ، فتمتّع بلذيذ الكرى ، وتودّع بعد السّير والسّرى ، وألم من إلمام ملمّ معضل ، وحدوث حدث مشكل . وهذه نعمة تعمّ الخاصّة والعامّة عموم الغيث إذا همع ( 1 ) وتدفّق ، وتشملهم شمول النهار إذا لمع وتألَّق ، وهم أولى بالتهنئة فيها وشكر اللَّه تعالى عليها . وسيدنا الوزير حقيق بأن يهدى إليه الدعاء المرفوع ، والتضرّع المسموع ، بأن ينهضه اللَّه تعالى بما حمّله ، ويعينه على ما كفّله ، ويتولَّاه بتوفيق يثقب أنواره ، وتأييد يطبّق غراره ، وتسديد يحسّن آثاره ، وإجراء ما يتولَّاه على أوضح سبيل وأقصده ، وأرجح دليل وأرشده ، إذ لا يجوز أن يهنّأ بما له عياؤه وكلَّه ، ولمذعنيه صلاحه كلَّه . والعبد يسأل اللَّه ضارعا لديه ، باسطا يده إليه ، في أن يقبل صالح أدعيته لحضرة الوزارة السامية ، وأن يجعل ما أحلَّه في محلَّه من رياستها ، وأوقعه في موقعه من سياستها ، دائبا لا ينتزع ، وخالدا لا يرتجع ، وأن يؤيّدها فيه بما يقضي له بالإحراز والتّخويل ، ويحميه من الابتزاز والتحويل ، إنّه سميع الدعاء ، فعّال لما يشاء ، إن شاء اللَّه تعالى . الصنف الثاني - التهنة بكفالة السلطنة :
--> ( 1 ) أي سال ؛ يقال : همع الطلّ على الشجرة إذا سال ، وهمعت عينه : أسالت الدمع . القاموس المحيط ( همع ) .